ابن أبي أصيبعة

36

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

بنقل كتب الفلك والرياضيات « كذلك اهتموا بنقل كتب الطب لعلاج أبدانهم ، فكان طابع الترجمة والنقل يتجه اتجاها قويا نحو ترجمة الكتب العلمية والطبية » . ولقد كان لعلماء العرب ومترجميه الفضل الأكبر في حفظ التراث اليوناني من الضياع والنسيان والإهمال لأن « أغلب النصوص اليونانية قد فقدت ولم يبق غير الترجمة العربية لهذه النصوص ، ومن هذه الترجمة أخذت ترجمة عبرية ، وعنها ترجمة لاتينية ، ويعد هذا فضلا عظيما للعرب على التراث اليوناني فقد صانوه من الضياع » « 1 » . وشجعت الدولة العباسية حركة الترجمة تشجيعا كبيرا ، وتأثروا في ذلك بالفرس « والخلفاء العباسيون وإن كانوا من عنصر عربى ، إلا أن تنشئة كثير منهم لم تكن عربية خالصة ، كتنشئة الأمويين . وهم بحكم هذه التنشئة ، وربما بدافع ارضاء الرجال المبرزين من عصبيتهم السياسية وهم الفرس ، كانوا يظهرون ميلهم للعلم ، كما كانوا يعملون على تشجيع العلماء » « 2 » . وكان لتشجيع خلفاء الدولة العباسية لحركة الترجمة الدور البارز في إنماء عملية الترجمة وتقدمها ونجاحها . . وكان أول من أهتم بالترجمة والعلوم من خلفاء بنى العباس الخليفة الثاني « أبى جعفر المنصور » الذي طلب من إمبراطور بينزنطة أن يرسل إليه ما عنده من مخطوطات وكتب يونانية فأرسلها إليه . كذلك كان المأمون يطلب من أمراء البلاد المفتوحة الكتب بدلا من الغرامة المفروضة عليهم « فلما انتصر المأمون على الروم عام 215 ه علم أن اليونان حينما انتشرت النصرانية في بلادهم قد جمعوا كتب الفلسفة من المكتبات وألقوا بها في السراديب فطلب المأمون من ملك الروم أن يعطيه هذه الكتب مكان الغرامة التي فرضها فقبل « ثيلوفيلوس » ملك الروم بذلك ، وعده كسبا كبيرا له . أما المأمون فأعد ذلك نعمة عظيمة عليه » « 3 » . وازدهر في عهد المأمون « بيت الحكمة » ازدهارا بالغا وبمرور الوقت أصبح ( بيت الحكمة ) « أهم وأعظم معهد ثقافى نشأ بعد المتحف الإسكندري الذي أسس في القرن الثالث قبل الميلاد . . وقد أضفى الخلفاء على المترجمين أعظم أنواع التشريف والدعم ، الأمر الذي شجع المترجمين على نقل مختلف أنواع العلوم والمعارف التي كانت للأمم

--> ( 1 ) عبد الرحمن بدوي : دور العرب في تكوين الفكر الأوربى ، دار القلم بيروت ج 3 سنة 1979 ، ص 147 . ( 2 ) محمد البهى : الجانب الإلهى من التفكير الإسلامي ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرة سنة 9671 ص 228 . ( 3 ) عمر فروخ : الفلسفة اليونانية في طريقها إلى العرب ، بيروت الطبعة الأولى ص 98 .